صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
23
تفسير القرآن الكريم
يكون كاملا حتى يكمل غيره ، وأما الموجودات البشريّة فهي إمّا صور في موادّ ، أو نفوس متعلقة بها حاصلة من المزاج والامتزاج . والفرض إنّها موجودات بالقوّة لا بالفعل ، ناقصة لا كاملة ، والمخرج من القوّة إلى الفعل يجب أن يكون أمرا بالفعل غير محتاج إلى الخروج ، فإنّ ما بالقوّة لا يخرج بذاته من القوّة إلى الفعل - بل بغيره - والروحانيّات هي المحتاج إليها في أن يخرج الجسمانيّات إلى الفعل ، فالمحتاج إليه كيف يساوي المحتاج في درجة الوجود ؟ أجابوا : إن هذا الحكم - وهو كون الروحانيّات بالفعل - غير مسلّم على الإطلاق ، إذ منها ما هو وجوده بالقوّة ، أو ما فيه وجود بالقوّة ، ويحتاج إلى مخرج يخرجه إلى الفعل ، فإنّ النفس لها استعداد القبول [ من العقل ] عندكم ، والعقل له إعداد لكل شيء وفيض عليه ، وأحدهما بالقوّة ، والآخر بالفعل . وهذا لضرورة الترتيب في الموجودات العلويّة ، فإن من لم يثبت الترتيب فيها لم تتمشّ له قاعدة عقليّة أصلا فإذا ثبت الترتيب فقد أثبت الكمال في جانب ، والنقصان في جانب ، فليس كل روحانيّ كاملا من كلّ وجه ، ولا كلّ جسمانيّ [ ناقصا من كلّ وجه ] ، فمن الجسمانيّة أيضا ما وجوده كامل بالفعل ، وسائر النفوس محتاجة إليه . وذلك أيضا لضرورة الترتيب في الموجودات السفليّة . قالوا : وإذا سلّمتم لنا إن هذا العالم الجسمانيّ في مقابلة ذلك العالم الروحانيّ ، وإنّما يختلفان من حيث انّ ما في هذا العالم من الأعيان فهو آثار ذلك العالم . وما في ذلك العالم من الصور فهو مثل هذا العالم - والعالمان متقابلان كالشخص والظلّ - فإذا أثبتّم في ذلك العالم موجودا مّا بالفعل كاملا ويصدر عنه سائر الموجودات وجودا ووصولا إلى الكمال ، فيجب أن تثبتوا في هذا العالم أيضا موجودا مّا بالفعل كاملا تامّا حتى يصدر عنه سائر الموجودات تعلّما ووصولا إلى الكمال .